سيد قطب
2131
في ظلال القرآن
التي شاهدناها في الخلايا الحية . وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة ، فهذا شأنه وحده ! ولكنه إذ يفعل ذلك ، فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود اللّه ، الذي خلق الأشياء ودبرها . « إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها . وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق . ولذلك فإنني أو من بوجود اللّه إيمانا راسخا » « 1 » وهذا الذي يكتب هذا التقرير لم يبدأ بحثه من التقريرات الدينية عن نشأة الحياة . إنما بدأ بحثه من النظر الموضوعي لنواميس الحياة . والمنطق السائد في بحثه هو منطق « العلم الحديث » - بكل خصائصه - لا منطق الإلهام الفطري ، ولا منطق الحس الديني . ومع ذلك فقد انتهى إلى الحقيقة التي يقررها الإلهام الفطري ، كما يقررها الحس الديني . ذلك أن الحقيقة متى كان لها وجود ، اعترض وجودها كل سالك إليها من أي طريق يسلكه إليها ؛ أما الذين لا يجدون هذه الحقيقة فهم الذين تعطلت فيهم أجهزة الإدراك جميعا ! والذين يجادلون في اللّه - مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل ، وعن منطق الكون . . . أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا . . إنهم العمي الذين يقول اللّه تعالى فيهم : « أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى » . وإذا كانت هذه حقيقتهم ؛ فإن ما ينشئونه من مذاهب « علمية ! » اجتماعية وسياسية واقتصادية ؛ وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني ؛ يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط ، صادر عن أعمى ، معطل الحواس الأخرى ، محجوبا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعا - على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها . وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئا ؛ فضلا على أن يكيّف نظرته ، ويقيم منهج حياته ، على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلا ! إن هذه قضية إيمانية اعتقادية ، وليست قضية رأي وفكر ! إن الذي يقيم تفكيره ، ويقيم مذهبه في الحياة ، ويقيم نظام حياته كذلك ، على أساس أن هذا الكون المادي هو منشئ ذاته ، ومنشئ الإنسان أيضا . . إنما يخطئ في قاعدة الفكرة والمذهب والنظام ؛ فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير ؛ ولا يمكن أن تلتحم في جزئية واحدة مع حياة مسلم ، يقيم اعتقاده وتصوره ، ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية اللّه للكون وخلقه وتدبيره . ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى « الاشتراكية العلمية » منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء ! ويصبح الأخذ بما يسمى « الاشتراكية العلمية » - وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء أنظمتها - عدولا جذريا عن الإسلام : اعتقادا وتصورا ثم منهجا ونظاما . . حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك « الاشتراكية العلمية » واحترام العقيدة في اللّه بتاتا . ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والإسلام . . وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها . . إن الناس في أي أرض وفي أي زمان ؛ إما أن يتخذوا الإسلام دينا ، وإما أن يتخذوا المادية دينا . فإذا
--> ( 1 ) من مقال « الخلايا الحية تؤدي رسالتها » في كتاب : « اللّه يتجلى في عصر العلم » ونحب أن ننبه أننا إذ نقتطف ما نقتطف إنما نخاطب الماديين « العلميين » بلغتهم . . وليس هذا إقرارا منا بصحة كل ما نستشهد به وسلامة منهجه التفكيري والتعبيري في القضية التي نعرضها .